دور فنّ الرِّواية في بناء الإنسان واكتشاف جوهر ذاتهِ.
لطالما كان السُّؤال الأول والأخير للقُراء - بصفة عامة - وقُرّاء الروايات - بصفة خاصَة - هو " ماذا تستفيد من قراءة الروايات؟ " ويصل هذا السؤال تدريجيًا في بعض الأحيان إلى القول النّابِع عن جهلٍ بأن " الروايات مضيعة للوقت وهي ضرب من ضروب العَبث"
فنّ الرواية ليست مُجرد حِكايات خيالية مشحونة بلغة مِثالية وتعابير مجَازية، مُنفصلةٌ عن الواقع وبعيدة عن المَنطق. بل هي تجسيد لحَالة الإنسَان النفسية والعقلية والاجتماعية والسيّاسية والعاطفية؛ أي هي مرآة للكيّان الإنساني المُعقّد. الرواية تجعلنا نفهم كيّان الإنسان كفرد مُنفصِل عن المُجتمع وتصرفاته الأخلاقية واللاأخلاقية وغيرها من الأمور التي تُجيب عن أسئلتنا حول "ما الدافع الأساسي وراء فِعلتهُ تِلك ؟ "
الرواية في منظور الفلسفة.
الرواية في منظور الفلسفة هي عبارة عن أداة للبحث عن المعنى والهوية، عن مفهوم الذّات والحرية وعلاقتها بالزّمن.
يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكو :
"الرواية تعيد صياغة الزمن وتبني هوية الإنسان عبر السّرد "
أي أن الحِكايات والأحداث الخيالية السردية هي التي توصّلنا إلى بناء الهوية وفهم ذواتنا.
أما سارتر الفيلسوف الوجودي رأى أن الرّواية وَسيلة لطرح الأسئلة الوُجودية العميقة، كالحرية والقلق والإنسَان والمعنى. واعتبرها أيضاً جِهازًا يكشف لنا حقيقة الإنسان أمام الإنسان، يقول سارتر "الرواية ليست سردًا، بل مسؤولية؛ إنها كشف عن الإنسان أمام الإنسان."
الرواية في منظور العِلم.
هناك نظرية تُسمى بـ "نظرية العقل" أو ما يُطلق عليها “ Theory Of Mind “
وهو مُصطلح يستعملهُ علماء النفس المعرفي لوصف سلوك الأشخاص من حيث أفكارهم ومشاعرهم ومعتقداتهم ورغباتهم. مثلًا ( عندما نرى طفل يبكي لمغادرة إمرأة ما، فسرعان ما نفترض تلقائيًا أنها أمه ) أو عندما نؤول مشاعرنا على أساس وعينا بالاستقبال الحسي العميق لدينا، فمثلًا: عندما تلتقِي بشخص صُدفة وأنتَ تتمشى فيتحول وجهك إلى لون الأحمر ويخفق قلبك بسرعة، هنا ندرك أننا قد نكون معجبين بهذا الشّخص منذ زمن).
ما علاقة هذه النظرية بفنّ الرواية؟
في دراسة نُشرت في مجلة Science عام 2013 بعنوان:
“Reading Literary Fiction Improves Theory of Mind”
أظهرت لنا هذه الدّراسة أن الأشخاص الذين قرؤوا الروايات الأدبية سجّلوا نقاطًا أعلى في اختبارات فهم المشاعر والنوايا مقارنة بمن قرؤوا نصوص غير روائية.
ويقول أيضًا رايموند مار (Raymond Mar) – عالم أعصاب معرفي:
" الانخراط العميق في الروايات يعزز نظرية العقل ويجعلنا أفضل في فهم الآخرين."
حيث أن قراءة الرِّوايات تُنشط نفس المناطق الدّماغية التي تُستخدم في فهم التجارب الواقعية.
وكما أوضحت لنا أيضًا الكاتبة والباحثة في مجال الدراسات الأدبية المعرفية " ليزا زانشاين " في كِتابها لماذا نقرأ الأدب الخيالي؟ نظرية العقل والرواية
Why We Read Fictions? Theory of Mind and the Novel.
إنّ الروايات تُشبع رغباتنا في فهم عقول الآخرين وأفكارهم ومحاولة تفسير سلوكياتهم وأفعالهم، وكيف يُمكن أن تكون الروايات وقودً لـ " نظرية العقل ".
بين سيغموند فرويد و دوستوفيسكي.
عند ذكرنا لعِلم النفس الحَديث وفن الرواية، يتولّد في أذهاننا جميعًا، أعظم شخصيتين في مجالهم العلمي والأدبي.
سيغموند فرويد: طبيب أعصاب نمساوي ومؤسس علم التحليل النفسي، ويُعد من أبرز المفكرين في القرن العشرين وأكثرهم تأثيرًا في مجالات الطب وعلم النفس.
ودوستويفسكي: عرّاب النفس البشرية وهو واحد من أعظم الأدباء في التاريخ، واعتبرهُ البعض "فيلسوفًا"! عُرف بقدرته العميقة على تجسيد النفس البشرية، وتصوير الصراعات الداخلية والأخلاقية في شخصياته ( رواياته )
يقول المحلل النّفسي سيغموند فرويد:
"دوستويفسكي هو أول إنسان أعطانا فكرة عن الناس الذين هم نحن"
وكثيرًا ما استند فرويد في عِدة تحليلاته السِيكولوجية كالجَريمة وأبعادها النفّسية والاجتماعية، واستنتاجاته حول مَرض الصّرع والقِمار، على روايات دوستوفيسكي. حيث أن هذا الأخير مُعظم رواياته قائمة على الحقيقة النّفسية والاجتماعي. وتعاني كل شخصياته من قلق وجودي وعذابٍ وآلام قاتلة، من صرعٍ وإدمان الخمر والقِمار. وعبّر فرويد عن استيائه قائلًا :
"كل مرة أنتهي من كِتابة بحث عن حَالة نفسية، أجد دوستوييفسكي قد كتب عنَها في رواياته" .
الرّواية هي الإنسان.
الرّواية صرخةٌ في وجه الصّمت، الرّواية تجسيد للواقِع الاجتماعي والسياسي والنفسي للإنسان؛ "الرواية هي الإنسان" كما اعتبرها الكاتب التشيكي والفرنسي "ميلان كونديرا" حيث أنّ فنّ الرواية عند كونديرا ليست مُجرد سرد للأحداث -كما ذكرنا سابقًا- بل لها أبعاد فِكرية تأملية خفيّة. الرواية هي مُستودع نفس الإنسان، هي تساؤلات عن الوجود البشري، حيث أنها تُعيد صياغة مفهوم ومعنى الإنسان.
ويرى أحمد رجب شلتوت أن الرواية بالنسبة لكَاتبها وقارئها هي فن البحث عن الإنسان، هي غوّاصة غاصت داخل كيّان الإنسان كاشفةً لنا عن حياته السرّية ومشاعره الإنسانية.
ومن خلال كِتابه "فن البحث عن الإنسان قراءات في الرواية " يرى شلتوت أن قِراءة الروايات تمنح القَارئ ما لا تمنحه الأنواع الأخرى، فهي مُستودع أشياء كثيرة "شخصيات وأماكن وأزمنة وأحداث وتحولات تاريخية وجيوسياسية وطبيعية، وصراعات تاريخية وشخصية ونفسية، وفنون، وأفكار وشعر وبلاغة ورموز، الخ". تطوي بين جناحيها العالم وتنظمّه وتحلّق به. بحثا عن الإنسانية المطمورة تحت طبقات من أتربة راكمتها قسوة ظروف الحياة ( من مقال "البحث عن الإنسان في رواية " - للكاتب محمد الحمامصي )
يقول الكاتِب في مقاله هذا: "عندما نقرأ رواية نتصور أنفسنا في وسط الأحداث الخيالية والشخصيات، نشعر بأن عالم الرواية هو أكثر واقعية من الواقع نفسه." هذه هي حال الرّواية
في الخاتِمة أقول: إقرأ يا عزيزي عن وفِي كل شيء، فالقِراءة هي معرفةٌ للذّات، وهي تسليّةٌ تُصاحبها منفعةٌ لكَ. صاحب الكُتب فما رأيتُ خيرًا منها، ولا أكرمُ منهَا.
يقول المتنبي:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ




شكرًا يا بِلال على هذا المقال الثري، الذي يُشبه في بنائه روايةً قصيرة بذاتها؛ تمتدّ من تأملات فلسفية إلى شواهد علمية ونماذج أدبية، لتقدّم لنا لوحة متكاملة عن جوهر الإنسان كما ترسمه الرواية...
في بداية المقال، كان الطرح مهمًا وشجاعًا: مساءلة الفكرة الشائعة بأن “الروايات مضيعة للوقت”، وهو أمر يواجهه الكثير من القرّاء، خاصة في عالم مهووس بالمنفعة المباشرة!
لكنّ الرد هنا لم يكن دفاعًا إنشائيًا، بل تأسيسًا لرؤية عميقة، ترى الرواية باعتبارها انعكاسًا مركّبًا للكائن الإنساني؛ كيانًا، ووجدانًا، وسلوكًا..
حين تناول المقال الرواية من منظور الفلسفة، تساءلت بداخلي: هل ثمّة وعي أعمق من الذي تمنحه الرواية؟ إذ إنّ بِلال استحضر بول ريكور وسارتر لا ليزيّن المقال، بل ليؤكّد أن السرد ليس حيلة بل حاجة وجودية لفهم الزمن، والحرية، والذات..
ثم انتقل بنا إلى منظور العلم، وشرح ببراعة العلاقة بين الرواية و”نظرية العقل”، كأنّه يقودنا من الخيال إلى الدماغ مباشرة.. وهنا تحديدًا، كان الاستشهاد بالدراسة المنشورة في Science وتحليلات رايموند مار وليزا زانشاين، ربطًا علميًا رائعًا يؤكد أن للرواية وظيفة معرفية ونفسية حقيقية، لا مجرد متعة مؤقتة..
لكن الجزء الذي هزّني شخصيًا كان الجزء الذي جمع بين سيغموند فرويد ودوستويفسكي.
كم كان هذا الربط أخّاذًا!
إذ إنّ فرويد – الذي أنشأ مدرسة كاملة في تفسير النفس – يعترف بأن دوستويفسكي قد سبقه إلى ذلك بأدبه. العبارة التي نقلها المقال: “كل مرة أنتهي من كتابة بحث عن حالة نفسية، أجد دوستويفسكي قد كتب عنها في رواياته”
تثير في داخلي دهشة لا تهدأ.. لقد أصبح الأدب هنا علمًا قبل أن يُدوَّن، صار الرواي محللًا نفسيًا دون أدوات إلاّ اللغة والحدس الإنساني!!
وكم كان مُعبّرًا أن يقال: “دوستويفسكي هو أول إنسان أعطانا فكرة عن الناس الذين هم نحن”.
اهتمامي بعلم النفس جعلني أتوقّف طويلًا عند هذه النقطة.
إذ إن هذا التشابك بين الأدب والتحليل النفسي يفتح أبوابًا من الفهم لا تغلق...أدركت أن بعض الروايات كانت – بلا مبالغة – جلسات علاج حرّة، تشبه تمامًا تلك اللحظات التي نفهم فيها أنفسنا من خلال مشاعر شخصية في رواية، لا نعرف لماذا شابهتنا إلى هذا الحد، ولماذا بكت عنّا دون أن تطلب الإذن!!
منذ قراءتي لهذا المقال، شعرتُ أنني أصبحتُ أنظر للرواية لا كوسيلة هروب من الواقع، بل كوسيلة لاختراقه...بل لأقولها بصراحة: لقد أنقذتني الرواية مرارًا، من نفسي أولًا، حين ضاقت بي داخلي، ومن ازدراء المرارة في هذا العالم، حين صرت أرى فيه مساحة ضيقة لا تكفي روحي.
الرواية منحتني اتساعًا، ورفقةً، وأحيانًا: عزاءً لم يأتِ من أحد.
شكرًا لهذا المقال الذي لم يكن مجرّد عرض، بل رحلة معرفية ونفسية وفكرية، تُشبه الروايات التي تستحق القراءة فعلًا..
عبير~~
يا لجمال السرد والرشاقة بكتاباتك البديعة اجمل ما استوقفني تشبيه جمع المعلومات والمعارف والافكار بـ مستودع! يا مهابة هذه المقالة الفنية والأدبية احسنت!