مدخل إلى فهم انعكاس الكلام على الفرد والمُجتمع.
الإنسَان كلمة.
إنّ هذا المخلوق المُرعب والذكي والعبقري والجاهل والعالم والمنطقي والعاقل الذي هو الإنسان، إنما هو بكامله عبارة عن "كَلمة" كُل الصفات التي حملها مُنذ بدأ الوجود تنتهي في كلمة، وكل الصفات التي مايزال يحملها تبدأ من كلمة.
يقول الله عزّوجل في كِتابه الحكيم:"إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ" إن الله بشّر مريم عليها السلام بكلمة منه اسمه "المسيح"، فالإنسان بلحمه وعظمه وفِكره ووجوده كله عبارة عن كلمة.
الكلمة سِلاح.
يقول الفيلسوف الفرنسي جول بول سارتر
"Words are loaded pistols" والتي تعني "الكلمات مُسدسات مُعبّأة" ويقول الكاتب البرازيلي الشهير بابلو كويلو أيضًا "من بين جميع الأسلحة المدمرة التى تمَكّنَ الإنسان من ابتكارها تبقى الكَلمة أكثرها فضاعة"
بمعنى الكلام كالسّلاح، فلربما لتأثير السّلاح شِفاء وفناءٌ، أما للكلام فإنه قد يُخلد في النفوس ويصنع ما لم تصنعهُ السّيوف، يقول الشّاعر :
" وَقَدْ يُرجىٰ لِجُرحِ السيفِ برءٌ
وَلا برءٌ لِما جَرَحَ اللسانُ
وَجرحُ السيفِ تدملُهُ فَيَبْرىٰ
وَيبقىٰ الدهرُ ما جَرَحَ اللسانُ "
لكلامكِ ياعزيزي إنعكاسٌ على الوجود بأسره، فإن هُو خرج من جَوف الإنسَان إلى الوجود فلابد له مِن وقعٌ سلبي أو إجابي، ذاك الكلام الذي تتفوّهُ به قد يُحيي الأموات ويُميت الأحياء أو يهدم ما بُني، ويُبنِي ما هُدم. يقول مثل بلغاري "الكلمة المقولة حجرة رُمِيَت، والكلمة الحلوة تستطيع فتح أبواب من حديد."
إن الإنسان الذي يتمتّع بذكاءٍ لغويٌ وعاطفي يدركُ كل الإدراك، بحكمته وفِطنتهِ وفِراسته، كيف ومتى يتحدث ويزِن كلامه قبل النطق به، كما يقول المغاربة. فإن كان لكلامهُ وقعُ خيرٍ فيُفصحَ عنه ويُخرجه من ذاته، وإن كان ذا وقع شرٍ وسلبي، فيخلدهُ في ذاته إلى أن تُفنى الأرض وما عليها.
إذ لم يجعل الله عزوجل للكلمة الطّيبة جزاءً وحسنة عبثًا، وللكلمة السوء مكانًا في قاع الجحيم؛ إلا أنه يعلم بعلمه المُطلق بأن لها وقعٌ وتأثير على النّفوس
حيث قال عزوجل "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ".
التجارب والدّراسات:
١- أظهرت عدّة الدراسات ومن بينها دراسات تصوير الدماغ (fMRI) أن الكلمات المؤذية تُنشّط مناطق الألم نفسها التي ينشّطها الأذى الجسدي، بمعنى أنّ الدّماغ يستجيب للكلمة السيئة التي يتلقاها الإنسان كما لو أنها ألمًا جسديًا واقعًا.
٢- وفي عام 1975م في إسكتلندا أثبتت الدراسات والتجارب بأن دماغ الإنسان يُفرز ( عند الضحك أو سماع كلام عذب وجميل ..) هرمون يُسمى الإندورفين (Endorphins)، وهو عبارة عن مادة كميائية طبيعية يُفرزها الدّماغ، ويعمل هذا الهرمون كمُسكن للألم ويخفف الشعور بالتعب، كباقي المسكنات الأخرى للآلام.
٣- نُشرت في بريطانيا سنة ٢٠١٠ دراسة في مجلة "لاست" الطبية عن نوعًا من العلاج الجماعي الذي يعتمد على الكلام الإيجابي، إذ جرب فريق من جامعة "وارويك" على أزيد من 600 مريض ( يُعاني من ألم أسفل الظهر ) نوعًا من العلاج أُتطلق عليه "العلاج بالكلام" على ست جلسات؛ حيث يتم فيها مُناقشة الاعتقادات والأفكار السلبية المتعلقة بأوجاع أسفل الظهر، وأكدت الباحثة والمسؤولة عن الدراسة في جامعة (وارويك) أن المرضى شعروا بتحسُّن كبير أثناء العلاج بالكلام.
رُبَّ كَلِمَةٍ جَرَى بها اللِّسَانُ، فَهَلَكَ بِهَا الإنسان.
إن كل الدّيانات وكل المذاهب والفلسفات اهتمّت بهذا الجانب "وقع الكلام على النفوس" فلذلك الإنسان الواعي بحال الإنسانية وهشاشة المشاعر، يُدرك كامل الإدراكَ وعالمٌ في هذا الباب، بأن كُل كلمة منه قد تُفسد وتُعكر صفو حياة إنسان أخر أو قد تُزهر بُستان حياته. لا تترد في البوح بجميل كلماتكِ وعذوبة حروفها، وتردد في البوح بسيء الكلمات وحروفها.
وفي الأخير تتسائل الكاتبة الأمريكية والروائية إليزابيث جيلبرت قائلةً : لا أعلم لماذا يحبس النّاس الكلمات الجميلة في قلوبهم، بينما لو نطقوها، لأزهرت بساتين الورد في صدورهم و صدور أحبّتهم."





مرحبا هل يمكنني إعادة نشر هذا المقال